|
Wednesday, 26 December 2007 |
بينهما برزخ.. ويلتقيان، الشريف والجميل.
الخط ، كان المسلمون يسمونه الفن الشريف، أما الفن الجميل، الذي امتنع عليهم، في بداية عهدهم بالفنون، لملابسات دينية، فهو الرسم والتصوير، حيث اجتهد بعضهم فاعتبره تجسيداً وخلقاً لا يليقان بمن يؤمن بخالق واحد. فانتظروا في موقف المتزمت تارة وموقف المتهيب تارة أخرى. لكن سرعان ما اكتشفوا في الحرف العربي حياة غنية بالتعبير لذوي الألباب، فذهبوا إليه كم يذهب إلى مزيد من الجمال في الفن الشريف. صار البرزخ المتوهم فضاءً شاسعاً يسع الحياة كلها والموت كله.
وصارت المخلوقات مزيجاً من الحروف والكلمات والأشكال. حيث الشكل في الفن هو عنصر الخلق الذي يتميز به الفنان عن سواه. شكلٌ هو مزيج من الروح والجسد في الحرف بوصفه فعل حياة.
وقد فتح المتصوفة المخيلة الفنية على آخرها، لينهل منها الفنان خمرة الحروف التي لا يطالها بغير زجاجة الصورة. ولفرط ما استغرق "ابن عربي" في تأمله للحروف سموه شاعر الحروف، عندما قال: "الحروف كلها مرضى إلا الألف. أما ترى كل حرف مائل. أما ترى الألف قائماً غير مائل. إنما المرض الميل، وإنما الميل للسقام، فلا تمَلْ"
وثمة شطح "للحلاج" يقول: "علم القرآن في الأحرف التي في أوائل السور، وعلم الأحرف في لام الألف، وعلم لام الألف في الألف. وعلم الألف في النقطة. وعلم النقطة في المعرفة الأصلية"
ونحن هنا لا نشير إ لا لحرف واحد لكي نكتشف شيئا عن ألف غير مألوف.
كم مرة في اليوم نكتب الكلام، وكم مرة يكون بين الكلمات حرف الألف، يفتتح الكلمة ويصير تاجاً لها ويختمها. لكن كم مرة توقفنا لكي نتأمل هذا السيف المشرع بشتى الأشكال وبما لا يقاس من الجمال الروحي العميق. هل أصبح حرف الألف مألوفاً لنا إلى الحد الذي يصبح فيه شيئاً همَلاً، وهو ما تزيد به الكلمة وما يكتمل وحده، من غير أن تُصيبنا الرجفة ونحن نصغي لهسيس الروح الكامن في قصبة الكاتب فيما يخط الخط .... نقاطاً متلاصقة تنطوي على الأسرار كلها.
نحلم أن يمنحنا الفنان سراً واحداً لنعرف شعور الملاك و هو يصقل الضوء بقنديله الصغير .
لنرى إلى الحرف في اللوحة, ليس باعتباره زينة المكان والوقت، ولكن بكونه الجنة التي أسس لها «ابن مقلة» مضحياً بجسده عضواً عضواً. جنةٌ كان الخطاطون المسلمون يؤمنون إنها لهم, بقدر ما يحسنون نسخ القرآن بأجمل الخطوط، وكانوا يتبارون في ذلك، ويسعون إليه بشتى السبل. فأية متعة سيمنحها الفنان المعاصر وهو يتوغل في شطحه الجديد؟
الذين يذهبون إلى الحرف العربي بكونه شكلاً محضاً، لن يتجاوزوا ما أنجزه السابقون، أما الذين يتصلون بالحرف باعتباره حياةً خالصةً بروح تفيض على الآنية، فسوف يضعون ريشتهم في الصلصال الحي. فكل حرف تمسه يدك هو حرفك الآن، حرفك هنا، وحرفك أنت خصوصاً، تنال منه ما يقدر عليه حبك. فعلى قدر حبك يكون حرفك. فأنت لا تستطيع أن تكتشف جمال الحرف إذا لم تحبه مثل عاشق. ولنا أن نرى في شغل الفنان هذا الحب الذي يضاهي الناسك في محاربه.
أحب (في عباس يوسف ما يشبه العشق عنده) لكي يتسنى لي حين أقترب من لوحته أن أشعر بوجيب القلب في الجسد والروح اللذين يتمثلهما الشغل الفني. فقد عرفت هيامه بالكتابة مثل شاعر، حيث الشاعر رسام أيضاً. ليس جسداً فحسب، الحرف العربي خصوصاً، إنه الروح الحي الذي مثل الإنسان والوردة والماء. والذين يقفون عند حدود الجسد تكون ريشتهم على العتبة، فيما يظل الطريق أمامهم طويلاً ولا يـُـطال. الروح فقط ما يجعل كينونة الحرف في العمل الفني فعل محبة وحرية في آن.
لكن، تـُـرى هل مصادفة هذا التمازج الحروفي بين الكلمات الثلاث التي نتبادل أنخابها: الحرف/الحب/الحرية، أم أنها ضرب من نشاطات المخيلة الإبداعية التي صاغت لنا اللغة العربية منذ الجنين الأول؟ ليست كلمات ثلاث فحسب، بل حيوات تتألق فيها أخلاط الروح. انظروا ثانية، كيف يحظر حرف الحاء في هذا المثلث الحي مثل القلب في الجسد. والذين لا يتأملون مثل هذه العلاقات التكوينية، البالغة الغموض والجمال معاً، فيما يصوغون لنا إبداعاتهم، يخسرون كثيراً مما يغني الأفق الذي يذهبون إليه فنياً.
ربما كان عباس يوسف أحد الذين التفتوا لمثل هذه النعمة التي تغرينا بها الحروف العربية. وأحبّ، حين أقف بجانب لوحته، أن أسمع أنفاس الحروف والكلمات تتصاعد من نسيج الورق الكثيف. حيث الناسك الذي يتقمصه عباس يوسف يعدنا بخشوع فاتن، مثل فعل الحرية التي يمارسها المتصوف ساعة الحضرة. وما على الفنان إلا أن يحس الشطح، فمن لا يشطح مع الحروف تشطح به وتفنيه.
الشطح بدلالة التصوف، حيث الفيض، كما الشطح بعامية ناس المغرب، كيف يقدر الفنان المعاصر أن يحقق هذه العلاقة الفذّة، فالرقص مع الحرف كالتطهر العميق الذي يذهب إليه المتصوف لحظة التجلي. يأتيك حرفك على قدر وحبك وحريتك.
فعلان جميلان من شأنهما أن يسعفا الحرف الذي يتعرض للتقهقر في الواقع العربي الذي ينهار, والتطور الآلي الذي يأخذ القصبة من اليد البشرية. وهي مفارقة تذكرنا «بابن خلدون» الذي قال لنا ذات تأمل «إن الخط من الصناعات الإنسانية، يقوى بقوة الحضارة ويضعف بضعفها»، دون أن ندرك تماماً، هل نحن في ضعف الحضارة العربية الراهن، أم في تطور الحضارة العالمية المهيمن وكيف نتجاوز هذا الضعف دون أن نتفادى ذلك التطور، وبأي شكل نصوغ أحلامنا.
هل نرى في الفعلين الجميلين (الحب والحرية) اللذين يحلم بهما الفنان المعاصر، وهو يتصل بتجربة الحرف، مزيجاً متألقاً من الفن الشريف والفن الجميل معاً، لإسعاف ما يمكن إسعافه؟
ها نحن في حضرة الحروف اليانعة، في حديقة عباس يوسف، التي سهر عليها مثل ناسك، نترك مشاغلنا اليومية ونأتي، نبحث معه اللذة الروحية. بأمل ألاّ تنالنا الحبسة في حدود المتصوفة بشطحاتهم، أو تخوم الفنان بمخيلته الملتهبة.
ويحلو لنا أن نقول للفنان: شكراً، لأنك تضع اللوحات على جدران حياتنا لتزيد عدد النوافذ المطلة على الأفق.
قاسم حداد
لمناسبة المعرض الأول بالبحرين 1994
|