|
صورة الحرب.. بين الكذب و الزيف و الفعل المضاد |
|
|
|
Thursday, 17 January 2008 |
لقد اعتدنا على مخاطبة الصور لنا إلى الحد الذي لم نعد فيه وقعها الإجمالي
علينا، قد يري الإنسان صورة معينة أو جزءا من معلومة لكونها تتقاطع مع
اهتمام خاص به، لكننا نتقبل النظام الشامل للصورة الإعلانية كما نتقبل
عنصر الطقس، وحقيقة كون هذه الصور تخص اللحظة لكنها تتحدث عن المستقبل،
ينتج تأثيرا غريباً، أصبح مألوفا و بالكاد نلتفت إليه. طرق في الرؤى،
المؤلف جون برغر. يبدو أن هذا العالم في محاوله حثيثة لاختراع شئ ما
لفنائه انه يسعى من دون خجل لصناعة طرائق تسير ببطء مغلف بهالة ( ربانية )
صورية لحرق كيانه.
الإعلام بوصفه أداة دعائية ترويجية تقوم أساسا على
المخادعة والختل لتحويل الكذب صدقا ومن الحقيقة وهماً و من الحرية سلماً
ومن الاحتلال تحريرا.. ومن الجبن بطولة ومن العداوة صداقة ومن الطفولة
قتلا ومن التاريخ غيابا.. نعم يأخذك أصحاب الحرب بكل أسلحتهم..أفكارهم..
أكاذيبهم وإنسانيتهم المتحيونة إلى الدمار، يجعلوك أسير أساطيلهم
الإعلامية لا تقدر على مفارقة المتابعة والترقب و التوجس و الخوف، تنتظر
موتك الذي تحياه كل لحظة ويوم دون علم ولربما في الآن وربما في ألا وعي
لكنه هنا.. واقف أمامك يرقب اللحظة التي ينقض فيها بسلاح صورته التي يصنع
ويبث علي صورتك.. خيالك، وما عليك إلا مشاهدة حتفك، الإيمان بقدرك الخافت.
من أين تبدأ الصورة؟ وهل كانت لصورة الفوتوغرافية متواجدة وحاضرة قبل الصورة الزيتية مثلا؟
نعرف ما الدور الكبير الذي حققته آلة التصوير الفوتوغرافية في الكثير من
الميادين سيما الفنية منها والدعائية والتسجيلية كشفا ورصدا وتسجيلا. هذا
النوع من الكشف.. الحدث الذي بات اليوم جزءا فاعلا ومتفاعلا مع كل منجزات
التكنولوجيا التي أعدت أساسا لخلق الصورة بشتي أشكالها وأحجامها وأنواعها
حيث صار هذا التداخل أبوابا مشرعة للتمازج، مفتوح الفضاء علي كل الأجهزة
المتقدمة والآلات المتطورة التقنيات لإنتاج أكثر من غرض فني ودعائي
وإعلاني ( السينما والفيديو مثالا ) وصار العالم يستقبل الصورة من عدة
مصادر وبأشكال وحجوم مختلفة، بات إنتاج الصورة يأخذ وجه الحرب أو هو الحرب
ذاتها، تنافس وخداع وسجال طويل الأمد لا نهاية لامتداد خيوطه ما دام
المستقبل هو ( رأس المال قبل العلم والأخلاق ) فأية فاعلية للصورة ستكون؟
وما ماهيتها ونوع قوتها ومدي تأثيرها علي المتلقي؟
بالأمس القريب كانت الصورة الفوتوغرافية هي سيدة الموقف دون منازع – رغم
سطوتها واستمرارية قوتها وعتادة زخمها – اليوم لم تعد وحدها المسيطرة في
الساحة رغم مكانتها وأهميتها – حيث حلت الصورة التلفزيونية الحية المباشرة
واتخذت لها موقعا متقدما في هذا العالم، لقد تغير المفهوم وانقلبت
الموازين اختلفت الرؤى والقراءات وحتى طرق الاستقبال.
صارت الصورة خيراً وشراً
صارت بيانا ناطقا بنفسه معبرا عن حاله ولربما عن أحوال هي في الأساس غير موجودة لكنها بالصورة وحدها تتواجد وتكون.
أبدا ما دامت الصورة متعلقة بالحرب فالغالب الأعم في دورها هو الكذب والزيف والفعل المضاد لتحقيق مصلحة ولتضليل العين.
أبدا تروي الصورة عطشك.. توقظك من سكرتك وسباتك.. تكشف القبح والجمال،
جمال المشهد وقوة الزاوية وثبات التكوين.. تولولك نفسيا.. تحطم ما تبقي
بين مفاصلك من حول وزهو وتماسك، تجرك لبشاعة القبح في القتل والغزو
والخراب ومغادرة الطير.
أكثر ما تلعبه الصورة ( إن كانت صادقة ) فضح الزيف وتصوير الواقع كما هو
عليه، أما إذا كانت علي غير ذلك فهي أيضا تعطي وتقدم حقائق بصرية عن الفضح
المسيج المشروط وعن الصدق أيضا كدعاية، باعتبار من يبث وينشر صاحب فعل
نبيل شريف، أما أنه يدافع عن أرض له أو ليست له أو انه يقاتل من أجل تحرير.
حاليا لا الرؤية.. لا النظر ينفع ولا الصورة تجدي... أنها صورة الحرب..
صورة الدمار. هذه الصور التي نتحدث عنها هي تدمير وتخريب ومحو دون شك
للصورة الأهم.. صورة الحلم والعيش والبقاء، رغم قوتها وبلاغتها في ذات
الوقت وجمالها ورقتها وبشاعتها وخفتها وإنسانيتها أيضا، ستبقي حاضرا آنيا
وستغدو ماضيا ستبقي في الذاكرة – من يضمن أن الذاكرة في هذا الزمن غير
ملوثة وممسوخة ومشوهة –
ستبقي الصورة الحدث أبدا هي صورة الحرب، صورة الحياة.
إنتاج الصورة والصورة المضادة ما هو إلا سجال مؤقت، في أقل تقدير حاليا.
ماذا بعد هذا المؤقت من الصور؟
ما الذي سيدوم ويبقي أيضا؟
إنها ملحمية الصورة في الحرب الدائرة لا غير
إنها الصورة... صورة تحطيم صورة من تحب
الصورة المقصود بها في هذا الحيز.. هذا الوقت بالذات.. هي ربما تكون
كالإعلان التجاري والذي هو ثقافة المجتمع الاستهلاكي الذي يروج لما يريد
عبر الصورة حسب تعبير ( جون برغر ) مفهوم السيطرة ومصطلح التضليل غير
مقتصر علي وضع وحلة ما وليس موجها لغاية معينة ولهدف آني بعلاقته القائمة
علي الصورة – الدعائية – فقط كأن يتبعها المرء ويستسلم لهذه السيطرة
والقوة الصورية بحيث يستغني وهو الفقير، ويرتفع شأنه وهو المنحط وينتصر
وهو المهزوم مثلا.
أبدا الصورة تحول الفجيعة إلى عرس والجحيم إلى جنة وارفة الظلال، الصورة
في هذا الوقت بالذات هي الضلال عينه لفرط بلاغتها وقوة أدائها المباغت
والمتواري وانتشارها وتأثيرها أيضا.
تنام أمم علي الجثث ويسبح أبناؤها في بحور من دم الآخر فقط لمقدرة هذا
الآخر علي استعارة البلاغة وإعادة خلقها من جديد وتحويلها لصدق كاذب،
وبالمقابل هذه البلاغة استنهضت أمما، لا مست كيانها.. جسدها.. مصيرها
وجعلتها تستفسر عن كنهها، عن معني وجودها ولو بصورة مؤقتة انفعالية
وعاطفية، لكن فعل الصورة ما زال ماثلا أمامها.
الصورة الآن أقصي ما تهدف الوصول إليه هو الزيف.. تصوير الكذب حالة صادقة
ووضعا قادرا علي المسخ والتحيير والتحييد وتوريط المتلقي وهو يمسك ويحرك
جهاز التحكم عن بعد بلا شعور.
ما الذي يجعل البعض وصف الحرب الحالية بأنها من أكثر الحروب في التاريخ
استخداما للصورة والوسائط الأثيرية والتكنولوجيا؟ أهو العراق.. عراق بابل
وآشور وبغداد ودجلة والفرات وكر بلاء أم النفط؟
الصورة صارت حدثا وأضحت لسانا صامتا، وقلبا متدفقا بالحب مشحونا بالأسى الصورة صارت وجه انتصار الآخر.
الوعي الحقيقي ارتفع وتطور تجاه تقبل الصورة، فهم دورها، تلمس جمالياتها
رغم حدوثها في الزمان والمكان الغير مناسبين البتة لدى البعض.
في هذه الحرب الصورة صارت قمرا لظلال وضوء شمعة ضئيل متثاقل ينتظر خفة نسمة تهف عليه لإنهائه وهو علي صراط الحق.
الصورة تبين – صورة حتى لا أقول وجه – الوجع، والصورة البشعة للأمل المصطنع والحرية الزائفة.
ربما تكون الصورة هي أبلغ بيان علي فضح التضليل وكشف إعتامه.
|